محمد أبو زهرة

1233

زهرة التفاسير

وقوله تعالى : وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ حال من الفعل المحذوف الذي دل عليه العطف ، أي أنّى جئتكم بآية من ربكم أنى أخلق ، وجئتكم مصدقا لما بين يدي ؛ يقال الأمر بين يديه أي أنه حاضر ثابت موجود ، وعيسى جاءت رسالته متممة لرسالة موسى ناسخة لبعض ما جاء فيها ، كالشأن في كل نبي بالنسبة لمن سبقه . ولقد بين عيسى عليه السلام لهم أنه جاء بالرفق والسماحة ؛ ولذا أحل اللّه لهم على يديه بعض ما حرم عليهم بظلمهم وقسوتهم وجفوتهم فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ . . . ( 160 ) [ النساء ] ولقد قال تعالى : وَعَلَى الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُما إِلَّا ما حَمَلَتْ ظُهُورُهُما أَوِ الْحَوايا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصادِقُونَ ( 146 ) [ الأنعام ] . ذلك لأنهم قست قلوبهم وغلظت أكبادهم ، واستناموا إلى الراحة واسترخت أجسامهم ، فابتلاهم اللّه بهذا التحريم لينشطوا ويعملوا ، ويكونوا قوة عاملة ، ولا يكونوا أجساما مسترخية ؛ فلما جاء عيسى عليه السلام ، وقد نزل بهم من البلاء ما نزل ، أحل اللّه لهم على لسانه ما كان قد حرم . وقوله تعالى : وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ذكرت الآية ، لأن جزءا من الرسالة العيسوية إثبات خلق الأشياء بالإرادة المختارة ، ومعجزته كلها تتجه نحو هذا الاتجاه ، فهي في ذاتها جزء من دعوته ؛ لإثبات قدرة اللّه تعالى وإرادته في الخلق والإبداع . وبعد أن أشار سبحانه إلى ما تضمنته الرسالة العيسوية ، ذكر دعوة عيسى لقومه بهذه الرسالة ، فقال سبحانه حاكيا قول عيسى لهم : فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ كانت دعوة عيسى تتجه إلى هذين الأمرين : تقوى اللّه تعالى ، وأن يطيعوه بأن يتبعوه في منهاجه الذي رسمه لهم ووجههم إليه تبليغا لرسالة ربه . أما تقوى اللّه تعالى فكان لا بد أن تكون لباب الدعوة العيسوية ؛ لأن اليهود كانوا قد أعرضوا عن اللّه تعالى إعراضا تاما ، حتى لقد كان فريق منهم ، وهم الصدوقيون لا يؤمنون باليوم الآخر ، وحتى لقد حسب أكثرهم أن العقاب الذي هدد اللّه به هو العقاب الدنيوي ، لا العقاب الأخروى ؛ ومن أجل ذلك سرى